العلاقات الطبية بين العرب و الهند

(منذ العصر الجاهلى حتى العصر العباسي)

 

القاضي أطهر المباركفوري

ترجمة: أورنك زيب الأعظمي

كانت هناك علاقات متنوعة بين العرب و الهند منذ العصور السحيقة كما قد عرف أهالي بعضهما عادات الأخر وتقاليده وتأثروا فيما بينهم و العلاقات الطبية،مثل غيرها من العلاقات الأخرى التي كانت قديمة كذلك ونود أن نلقى فيما يلي، بعض الأضواء على تلك العلاقات.

 

اشتهرت الهند قديما في الطب و الحكمة و غيرها من العلوم:

استهرت الهند قديما كمعدن للعلم و الحكمة فقد سار ذكر علومها مثل الطب والحكمة والنجوم والهيئة والحساب والموسيقى و السحر والعزائم والتخاييل والنير نجات وغيرها في كافة الأمم وقد أدلى الكتاب المسلمون في كتبهم بآراء وأفكار قيّمة عن علومها وفنونها تلك. فقد كتب القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي في "طبقات الأمم" بعد ذكر علوم الهند وفنونها العديدة أن الهنود يعرفون أكثر من غيرهم من كافة أمم العالم عن علم الطب فهم أبصر من غيرهم بقوى الأدوية وطبائع المولدات وخواص الموجودات(1)".

وقال أبوحامد الغرناطي في "تحفة الأحباب" إن الهنود أعرف من غيرهم عن الطب والنجوم والرياضي وغيرها من الفنون والصنائع العجيبة للغاية تنشأ أشجار العود والكافور والعطور والبخور في جبال الهند وجزائرها كما توجد فيها والعديد من أنواع العقاقير والأدوية (2) وقال الجاحظ في "رسالة فخر السودان على البيضان": "إن الهنود معرفون في معرفتهم عن الطب. لهم أسرار وطرائف طبية- إنهم يعالجون الأمراض العامة بأسلوب سهل كما لهم حذاقة في السميات والأوجاع. إن لهم رقية سريعة الأثر.إنهم أيضا مشهورون في السحر والعلاج بالتدخين(3)".

وذكر ابن خرداذبة في كتاب المسالك والممالك علومها وفنونها لا سيما السحر والرقية والعزائم والتخاييل والطلسم، فهو يقول إن الهنود يزعمون أن لهم قدرة على فعل ما يحبون عن طريق الرقية والسحر حتى أنهم يشربون بهما السم منها يزيلون أثرهم فهم يحلون و يعقدون عن طريقة الأوهام والعزائم فيضرون وينفعون ويظهرون حركات عجيبة مزعومة تبهت العاقل وتحير اللبيب. إنهم يدعون بإمساك المطر. يبدو من هذه الصراحات أن أطبائها وحكمائها قد طار صيتهم في الآفاق في العلاج بالأدوية والعقاقير وكانت كلتا الطريقتين متداولة بين الناس. نعبر عنهما بالعلاج المادي والعلاج الروحي (4).

 

الطب العربي القديم وأطباؤه:

قد كانت توجد طبقات عديدة للعرب في الهند منذ القدم فقد كانت الزط والسيابجة و البيامرة و الأساورة و الأحامرة و العيد سكنت بصفة مستقلة في المناطق الساحلية الشرقية كما كانت لهم مستعمرة كبيرة في اليمن و الهجر و النطيف و اليمامة و البحرين والأومان . كانوا يعالجون مرضها بالأسلوب الهندي مع أسلوبهم المعروف المتداول حتى أن العرب الأول قد استفادوا بذلك. ولو أن كان في العرب علاجهم المعروف الذي لم يكن فنيا ولا علميا بل تجربيا ووراثيا. كان لديهم أطباء و حكماء برعوا في الطب العلمي بجانب حذاقتهم في الطب الوارثي وعلاجه وكانوا مشهورين في ذلك. والحارث بن كلدة الثقفي الجاهلي من الأطباء المهرة في هذا العلم و عرف بـــ "طبيب العرب". إنه سافر إلى فارس واليمن وغيرهما من البلاد فحصل هنا على علم الطب و مع ذلك فقد عرف عن علاج العرب الوراثي فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار على سعد بن أبي الوقاص فى مرض أصابه أن يدعو الحارث بن كلدة (5) ويطلب مننه علاجه. تبعه ولده النضر بن الحارث فحذق فى الطب مسافرا إلى إيران وغيرها من البلاد المجاورة. كان النضر عدواً ألد للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يقص على العرب التقاليد والقصص الفارسية ويقول إنها خير مما يقول لكم محمد. ألقي عليه القبض في غزوة بدر وتم قتله (6).

كانت في قبيلة أزد امرأة تسمى "زينب". سار ذكرها في كافة العرب في فن الجراحة و أمراض العين. كانت معروفة بـــ "طبيبة بني أزد". ذكرها بعض الشعراء العرب فى كلامهم (7).

 

الأطباء من الصحابة الكرام رضى الله عنهم:

كان من الصحابة الكرام رضي الله عنهم من اشتهر في العلاج حتى أن النبى صلى الله وسلم قد عرف هذا العلم خير معرفة وكان يداوي الناس بالأدوية كما هو معلوم لكل منا. كانت عائشة أم المؤمنين معروفة في علم الطب وعلاجه معرفتها للعلوم الدينية فيروى هشام بن عروة بن الزبير أنه لم ير رجلا أعلم من عائشة في الفقه والطب والشعر (8) ويروى في الصحيحين عن عائشة أنها قالت إني عالجت رسول الله صلى الله عليه و سلم بالذريرة وممن يجدر بالذكر من الأطباء من الصحابة ابن أبي رمثة. كتب ابن أبي أصيبعة أن ابن أبى رمثة كان أعلم من غيره في أعمال اليد والجراحة في عصر صدر الإسلام ولكنه لم يتفوق في الطب العلمي. ويوجد نفس الرأي فى كتاب القفطى. يبدو أن ابن أبي رمثة كان يقوم بتشريح الأجسام بأسلوب وراثي. ذات مرة رأى ختم النبوة على بدن النبي صلى الله وسلم فظن أنه مرض وقدّم علاجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت طبيب و الرفيق الله (9)".

 

الأطباء الهنود من العرب :

وقد كان الأطباء الهنود موجودين -كما قلنا- بجانب وجود أولئك الأطباء العرب الذين كانوا مشهورين في طريقة علاجهم موفقين النجاح فيها وكان العرب المحليون يرجعون إليهم في أمراضهم فقد كان يعالج الأطباء بالعقار الهندي حشيشة القنب في أمراضهم فقد كان يعالج الأطباء بالعقار الهندي حشيشة القنب وهو أول من عالج العرب بهذه الطريقة من العلاج _ كان مشهوراً للغاية في اليمن في هذا الشأن. لقي محمداً صلى الله عليه وسلم فأسلم. ذكره الحافظ ابن الحجر في الفصل الرابع من "الإصابة (10)" كما كان طبيباً من الزط في المدينة المنورة، طار صيتة في علاج السحر الهندي فقد ذكر الإمام البخاري في " الأدب المفرد " أن عائئشة رضى الله عنها مرضت مرة فذكر أبناء أخيها ذلك للطبيب الزط فقال إن أمتها قد سحرها (11).

 

الطب النبوي و الطب الهندي:

و هلا نفتخر نحن الهنود بأن النبي صلى الله عليه و سلم نفسه استعمل الأدوية الهندية و أكد الآخرين على أن يستخدموها ورغّبهم في استعمالها فقد ذكر المحدثون في مجموعات الأحاديث أدوية وطرقاً للعلاج باسمي "كتاب الطب " و "باب الطب" استعملها النبي صلى الله عليه وسلم و أمر الآخرين باستخدامها كما قام العلماء بتأليف كتب مستقلة بها عنونوها "الطب النبوي " ففيها عدد وافر من الأدوية التى أصلها هندي . ولنعلم أن الأوامر التي " جاء ذكرها في الأحاديث وهي تتعلق بعلاج البدن و مداواته ليست شرعية بل هي محلية ووراثية و ليس من اللازم أن الدواء الذي يفيد في علاج أي مرض في البيئة العربية يفيد لازماً في بيئة غيرها من البلاد وقد أشار إليه العلماء.

ومما يجدر بالذكر من الأدوية في هذا الشأن القسط الهندي (العود الهندي أو الكست الهندي أو القط الهندي أو الكست الهندي) (12) فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على استخدامه للأمهات في علاج الأطقال وذكر أنه يشفي الأمراض السبعة. وضع الإمام البخاري باباً مستقلا بـــــ "السحوط بالقسط الهندي البحري وهو الكست" في كتابه " الجامع الصحيح" ثم ذكر رواية بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم قيس بنت المحصن مؤكداً أن تستخدم النسوة في علاج الجم و العذرة للرضعاء و أخبرهن بشفاء سبعة أمراض . جاءت نفس الرواية في صحيح مسلم بتعريف وجيز كما أنه روى أن خير علاج لكم الحجامة و القسط البحري. ذكر شراح الأحاديث أن المراد من القسط البحري هنا القسط الهندي الذي قد تم تصديره إلى العرب عن طريق البحر.

يفيد القسط الهندي بعد تمسك حيض النسوة فقد أجازهن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. يروى عن أم عطية في صحيح البخارى أنه أجاز أن نستخدم شيئاً من الكست الاظفاري لدى غسلنا بعد الحيض بمناسبة الطهارة. ذكر المحدث ابن التين كست الظفار في موضع الكست الأظفاري و "الظفار" مدينة تجارية ساحلية لليمن فتم عزو الكست الهندي و المسك الهندي إليها وسمى "الكست الظفاري "و المسك الظفاري (13)".

ذكرت فائدتها في بعض الأحاديث في علاج صداع الأطفال ورعافهم فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة حجرة عائشة رضى الله عنها فرأى أن الدم يجرى من كلتى خيشومى الطفل فسأل عن ذلك فقيل له إن العذرة هى السبب وراء هذا فقال: أسفا لكن فلا تهلكن أولادكن فمن عانى ابنها من العذرة فلتأخذ القسط الهندي و لتحكه ثم تنشقه إياه (14).

ذكر المحدثون كذلك (15) أن الأمراض التي ذكر علاجها النبي صلى الله عليه وسلم بالقسط الهندي علم عن شفاء بعضها بالوحى كما عرف علاج بعضها الآخر بالتجربة. وكذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم استخدام الذريرة الهندية أنها تقوي القلب وتفرحه، هي حارة يابسة تنفع في علاج ورم المعدة و الكبد. يروى عن عائشة رضى الله عنها أني عالجت النبي صلى الله عليه وسلم بالذريرة بمناسبة حجة الوداع (16) ولا تنس في ذلك رواية لمستدرك الحاكم ذكر فيها بعث هدية للزنجبيل من قبل أحد ملوك الهند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة ،أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه مكسرة (17)_ فقد بقي الزنجبيل أرغب شيئ للعرب منذ القدم. جاء ذكر الزنجبيل و الكافور في القرآن الكريم. ولو درسنا الأحاديث و الآثار بغاية من العمق لوجدنا مزيداً من الأدويه و العقاقير التي تم استخدامها في عصر النبي و صحابته رضى الله عنهم. ذكر الإمام ابن القيم في كتابه " زاد المعاد" بصفة مفصلة طريقة الطب النبوي و قال إن الأطباء العرب و الهنود كانوا يعالجون المرضى بالمفردات كما كانوا يستخدمون الأدوية المساعدة أو المصلحة حسب الضرورة.

 

الطب العلمي و الفني فى العصر الأموي :

ومنذ بداية العصر الأموي بدأت العلاقات الطبية بين العرب و الهند تعزز على المستوى العلمي و الفني وجذبت أسرارها وحكمها أنظار الأمراء والحكام الأمويين إليها فقد قال القاضى رشيد الدين الزبير في كتابه " كتاب الذخائر والتحف (18)": إن ملك مناطق الهند المجاورة بالصين أهدى قيماً إلى معاوية ، حافلا بأسرار علومها وحكمها، ثم ورثه حفيده خالد بن يزيد الذي عمل الكيمياء منه. ذكر نفس الكتاب العلامة الجاحظ في كتابه "الحيوان" وذكر قول عالم شهير يسمى "عبد الملك بن عمير" إنى رأيت كتاباً في ديوان معاوية أهداه إليه ملك الصين (19).

كان خالد بن يزيد بن معاوية ماهرا في الطب و الحكمة الطب و النجوم والكيمياء إلى العربية. ذكر ابن النديم في "الفهرست (20)" أنه كان بارعا في الكيمياء وله أشعار في هذا الشأن، ومما رواه ابن النديم من كتبه "كتاب الصحيفة" و "الكبير" و "الأشعار".ٍٍ

بدأ العلاج عن الطريقة العلمية و الفنية بصفة منظمة في العصر الأموى كما أجاز الخلفاء و الأمراء الأمويون طريقة العلاج الرومية واليونانية وأدويتها في بلاطهم. وبما أن النصارى كانوا من الأطباء المهرة في ذلك العصر فقد صاروا أطباء البلاط لاسيما معاوية الذي أولى عنايته بالطب العلمي والفني.

بقي طبيب العرب الحارث بن كلدة ـــــ كما يروى ــــ حياً حتى العصر الأموي وكان معاوية يطلب منه علاجه ومداواته (21).

كان ابن آثال النصراني من أبرز أطباء دمشق. كان عارفاً بقوى وآثار الأدوية والمركبة وعلاج السم. كان هو من أخص أطباء معاوية (22).

مرض أحد مشايخ خالد بن الوليد، عبد الرحمن نالي فدعا معاوية طبيبا يهودياً لمداواته، حضر بلاطه فوفق عبد الرحمن الشفاء (23).

كان أبو الحكم الدمشقي النصراني من الأطباء المهرة فـي عصره فكان طبيباً خاصاً بمعاوية. كان ولده حكم الدمشقي طبيباً شهيراً. وفق الحياة حتى العصر العباسي (24) وعالج خلفاءه. كان ولده عيسى بن حكم النصراني طبيباً وراثيا. قام بتأليف كتب عديدة عن الطب ومنها كتاب كتاب مكناش ومنافع الحيوان. كان تياذوق الطبيب حاذقاً فــي فنه. كان من معالجي الحجاج بن يوسف، أحبه الأمير حباً جماً(25). كان عبد الملك بن الجبر الكتاني مدرساً فــي جامعة الأسكندرية. أسلم بعد ما تم فتح مصر ــ كان يقدره عمر بن عبد العزيز خير تقدير ويدعوه لعلاجه (26) كان الخليفة هشام بن عبد الملك يستخدم الخضاب الهندي الذي لا يزول لونه ولمعانـــه حتى سنــة كاملة (27).

يبدو من هذه الصراحات أن الطب بداً يطير صيته في العرب على المستوى الفني والعملي وجعلوا يفضلون الطب اليوناني والرومي على الطب العربي إلا أنهم لم يعتنوا بالطب الهندي في هذا العصر.

 

الطب الهندي في العصر العباسي:

إن الرغبة تدريس وتدوين العلوم الدينية لم تعط العرب فـي العصر الأموي فرصة الالتفات إلى غيرها من العلوم والفنون فرغبوا فيها في العصر العباسي ومهدّ تعاملهم مع أمم العالم الأخرى وعلاقاتهم مع البلاد الأخرى السبيل إلى الحصول على علومهم وفنونهم، فلفتوا أنظارهم فــي فجر هذا العصر إلى العلوم والفنون الهندية وابتدأت العلاقات من كلا الطرفين بحيث أن الخليفة أبا جعفر المنصور سأل إسماعيل بن عبد اللـه مرة عن الأمم والملل الأخرى فقال إسماعيل عن الهند فـي الإجابة على سؤاله:

"وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم فاكتفوا بها عما يليهم (28)".

وعلى إثره حضر منجم وفلسفي وماهر في الهندسة من الهند بلاد الخليفة أبـــي جعفر في بغداد. كان يحمل معه كتاباً شهيراً في الفلك يسمى "السدهانت" يشتمل على القضايا اللطيفة لسير الكواكب والبروج والكسوف والخسوف فأمره الخليفة تبرجمته إلى العربية ولكنه اعتذر بأنه لا يعرف العربية فترجمه إلى العربية محمد بن إبراهيم الفزاري. استخدمه العرب لمدة طويلة.ـ اسمه العربي "سند هند الكبير (29).

ثم نال الطب الهندي القبول في العصر العباسي وجعل يتزايد الشعور بأهميته والحاجة إليه حتى جاء الخليفة المأمون (198-218هـــ) الذي أولى في عصره البرامكة الاهتمام بالطب الهندي وأطبائها وضاهى به الطب الرومي وأطباءها وأعطى أطباءها الأموال وقدّروها وأمروا بترجمة الكتب الهندية إلى العربية ودعوا أطباء الهند المهرة البارزين إلى زيارة بغداد وعينوهم مشرفين على مستشفيات قاموا بتأسيسها وروجوا فيها طريقة المداواة الهندية فعولج الخلفاء والأمراء العباسيون بهذه الطريقة الهندية.

 

إشراف البرامكة:

أول من عني بها من بين الوزراء والأمراء من البرامكة هو يحيى بن خالد البرمكي ثم تبعه الوزراء الأخر الذين قدّموا خدمات جليلة فــي هذا الشأن وذلك أن أمير السند بشر بن داؤد بغى على المأمون فـي 213هــ فبعث المأمون غسان بن العباد إلى السند ليعاقبه فتبعه طبيبه الخاص إبراهيم بن فزارون الذي كان أبرز أشهر أطباء عصره. أرسل المأمون موسى بن يحيى بن خالد مع غسان بن العباد آمراً بأن يخمد غسان بن العباد الثورة ثم يعين موسى بن يحيى بن خالد أمير البلد وحاكم السند فلما قضى غسان على الثورة وغلب على بشر بن داؤد فوض أمارة البلد وحكومة السند إلى موسى بن يحيى البركى. فوفاه اللـه في 221هــ بعد ما حكم على السند لسنوات عديدة. إنه فوّض أمارتها حين وفاته إلى ولده عمران بن موسى البرمكي الذي قتله عمر بن عبد العزيز الهباري صاحب الدولة الهبارية فـي المنصورة (السند) فــي ذي الحجة عام 227هـــ.

وجاء إلى السند غسان بن العباد أمير برمكي ذكره ابن خلكان في ترجمة الجاحظ ـــ إنه حمل إلى البصرة قدراً وافراً من الذهب في صورة الهليلة. كان الجاحظ يعاني آنذاك من الشلل. أعطى شيئاً من ذلك الذهب العلامة الجاحظ وهكذا أوصل ثلاثة أمراء برمكين بالهند لمدة أربعة عشر أو خمسة عشر عاماً وقد سكنها في هذه المدة العرب الشــهير إبراهيم بن فزارون (30).

اعتنى هؤلاء الوزراء من البرامكة بالطب الهندي وأطبائه خلال إقامتهم بها عناية شديدة كما نالوا قدراً وافراً من الأخبار عن أديانها حتى أن يحيى بن خالد مكي أولى اهتمامه به وهو مقيم ببغداد وأرسل رجالاً من بغداد إلى السند في زمن أمارة ولدة وحفيده للسند وحصل على المعلومات المكتوبة عنها. فلنقل إن يحيى بن خالد كان دافعاً أساسياً لذلك. ذكر ابن النديم أن يحيى بن خالد بعث رجلا إلى الهند لكي يحمل عقاقيرها إلى بغداد بجانب تقديم أيهانها مدونة إلى سموه من الواقع أن يحي بن خالد وجماعة من البرامكة رغبوا في شئون الهند في حكم العرب رغبة كاملة ودرسوا علومها وفنونها دارسة معيقة ودعوا الأطباء الهنود إلى الرحلة إلى بغداد (31).

فطفق أطباؤها وشعراؤها يزورون بلاط يحيى بن خالد فأظهر بكل شرح صدره تقديرهم وتعظيم علومهم وإليكم مثال واحد وهو أن الإمام ابن حبان البستي كتب في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" أن شاعراً وصل إلــى بلاط يحيى بن خالد من الهند. كان صحبه مترجم يترجم له من الهندية إلى العربية فقال المترجم ليحيى بن خالد إن هذا الشاعر يريد إنشاد أشعار له في مدحك فأجازه يحيى فأنشد الشاعر الهندي هذا البيت:

أر، أصيع؟ ككراكي، كرمندر

فسأل يحيى المترجم ماذا يريد الشاعر أن يقول فترجمه في صورة هذا الشعر التالي:

إذا المكارم في آفاقنا ذكرت فإنما بك فيها يضرب المثل

فأعطاه يحيى بن خالد ألف دينار(32).

 

الأطباء الهنود في بغداد:

ممن دعاه خالد بن يحيى البركي من أطباء الهند إلى زيارة العرب وطار صيته فيها لخدماتهم الجليلة هم بازيكر الهندي وبهلة الهندي وقل الهندي وابن دهن الهندي ومنكة الهندي وغيرهم ولا حاجة إلى ذكر أسمائهم.

كان قد وصل ذكر حذاقة منكة الهندي في الطب من الهند إلى العرب فقد دعي بكل تقدير وانتظام إلى بغداد لمداوة الخليفة هارون. كان طبيباً خاصاً بالأمير إسحاق بن سلمان الهاشمي مشرفاً على مستشفاه. قد برع العربية والهندة كلتيهما وترجـم بعض كتب الهند الطبية إلى اللغة العربية. كان ابن دهن الهندي مشرفاً على مستشفى حكومي لبغداد ويترجم كتب الهندية ويشرحها. إنه أيضاً مهر في كلتا اللغتين الهندية والعربية.

وبهلة الهندي وابنه صالح بن بهلة وحفيده حسن بن صالح كانوا من أبرار أطباء عصورهم. عالجوا الخلفاء والأمراء (انظر لتراجم هولاء الأطباء المفصلة كتابي رجال السند والهند).

 

تراجم وشروح الكتب الهندية:

وقد طلب غير البرامكة من الأمراء العرب من المترجمين ترجمة عدد كبير من الكتيب الهندية إلى العربية وتاليف شروحها. ذكر ابن في "(33)" تفصيل ذلك فيما يلي:

1-كتاب سسرد: فيه عشر مقالات. أمر يحيى بن خالد البرمكي منكة الهندي المسئول عن المستشفى بترجمته.

2-كتاب استكار الجامع: شرحه ابن حسن الهندي باللغة العربية.

3-كتاب سيرك: ترجم أولا من الهندية إلى الفارسية ثم شرح عبد اللـه بن على بالعربية.

4-كتاب سندستاق وهو يعني "صفوة النجح: شرحه ابن دهن الهندي صاحب البيمارستان.

5-كتاب مختصر للهند في العقاقير: ترجم هذا الكتاب الوجيز إلى العربية وهو ـــ كما يبدو من عنوانه ــ يحتوي على العقاقير الهندية.

6-كتاب علاجات الحبالى للهند: هو يتحدث عن علاج أمراض الحبالى ـــ تمت ترجمته.

7-كتاب توقشتل: فيه ذكر مائه دواء لمائة داء.

8-كتاب رؤسا الهندية في علاج النساء: ألفته امرأة هندية تسمى "رؤسا". ذكر فيه أمراض النساء وعلاجها. ترجم إلى العربية

9-كتاب العسكر للهند.

10-كتاب أسماء عقاقير الهند: ذكر فيه عقاقير الـهند. شرح بالعربية منكة الهندي بأمر من إسحاق بن علي الهاشمي.

11-كتاب الرأي فـي أجناس الحيات وسمومها: قام بتأليفه أحد ملوك الهند فذكر فيه أنواع الحيات وسمومها وعلاجاتها.

12-كتاب التوهم فـي الأمراض والعلل لتوقشتل الهندي. ترجم إلى العربية.

 

أدوية الهند و عقاقيرها:

نالت عقاقير الهند وأدويتها القبول فـي العرب بجانب أطباء الهند وكتبها الطبية وجعلت تباع فـي قدر كبير فـي أسواق بغداد والبصرة. فيوجد ذكر هذه العقاقير والأدوية فيما بين ماتم تصديره من الأشياء إلى العرب فــي ذلك العصر (34) وهــي: الصندل الأحمر والصندل الأبيض والكافور والمافور والجوزبوا والهليلة والقرنفل والقاقلة والكتابة والنار جيل والسنبل ولاقرفة والسليخية والبسباسة والزاج الأزرق والمسك والعنبر والأنواع المختلفة من العطور والبحور والعود.

كان فـي بغداد والبصرة وغيرهما من المدن محلات كبيرة لعقاقير الهــند وأدويتها، تعيّن موظفوها من السند فكان العرب ينتفعون كثيراً بسبب أمانتهم ومهارتهم فــي التجارة فقد قال الجاحظ إن موظفاً سندياً، أباروح قرج، لمحمد بن سكن أحد تجار البصرة تقدم فـي التجارة إلى حد جعل محمد بن سكن يعدّ من أغنى تجا، البصرة، فتبعه بنادر بربهاراتها وصرافوها فـي شراء العبيـــد السنديين (35).

إن لجميل خدمة الموظفين الهنود والسنديين وبنادر الأدوية والشعراء الهنود دورا كبيرا فـي قبول الطب الهندي وعقاقير الهنـد وأدويتها كما فعل وزراء البرامكة وخلفاء بني عباس وأمرائهم فهم اشتركوا فـي ترويجها فـي العصر العباسي الزاهر بكل نشاط ورغبة.

وفـي الختام ننقل قصيدة افتخر فيها أبو الصلح بوطنه وهو شاعر سندي شهير لذلك العصر. إن هذا الشاعر المحب للوطن ذكر العقاقير والأدوية وغيرها من الأشياء المجملية والباهرة التي توجد فـي وطنه السند فهو يقول:

لقـــــد أنكــــــر أصحابي ومــــــا ذاك بالأمــــثل

إذا مـــــا مدح الهند وسهم الهند فـــي المقتـــــــــل

لعمــــــري انها أرض إذا القطــــــــر بها ينـــــــــزل

يصير الدر واليـــــاقوت، والـــــــــدر لــــــمن يعطل

فمنها المسك والكــــــــــافور والعنبر والمنــــــدل

ومنها العاج والســـــــــــاج ومنها العود والصندل

وان التوتــــيا فيــــــــــــــها كمثل الجبل الأطوال

ومنها البــــــبر والمنمــــــر ومنها الفيل والدغفل

ومنها شــــــجر الـــــرابع والســـــاسم والفلفـــــل

سيـوف مالها مثل، قد استغنت عن الصــــيقل

وأرمــــاح إذا اهتـــــزت، اهتــــــز بها الجـــحفل

وهــــــل ينكر هذا الفضل إلا الرجل الأخطل

 

الهوامش:

1. طبقات الأمم

2. تحفة الاحباب ص 49

3. رسائل الجاحظ ص ج1، ص 223

4. المسالك والممالك ص 71،72

5. طبقات الأطباء ج 1،ص 110

6. تثبيت دلائل النبوة ج1، ص 53

7. طبقات الأطباء ج 1، ص 43

8. الاستبعاب ج 2، ص 765

9. طبقات الأطباء ج1، ص 116

10. الإصابة ج 1، ص 178

11. الأدب المفرد ص 27

12. صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السحوط

13. صحيح البخاري باب الطيب للمرءة عند غسلها من الحيض

14. زاد المعاد ج 2، ص 78

15. فتح البخاري ج 10، ص 133

16. زاد المعاد ج 3، ص 133

17. المستدرك للحاكم ج، ص 35

18. كتاب الذخائر والتحف ص 9-10

19. كتاب الحيوان ج7، ص 643

20. الفهرست ص 497

21. طبقات الأطباء ج 1،ص 110

22. نفس المصدر ج 1، ص 116

23. الاستيعاب ج 2، ص 408

24. طبقات الأطباء ج 10، ص 119

25. نفس المصدر ج1، ص 121

26. نفس المصدر ج1، ص 119

27. مروج الذهب ج 10، 167

28. تاريخ الطبري ج 8 ، ص 71

29. أخبار الكحماء ص 270

30. وفيات الاعيان ج1، ص 424

31. الفهرست ص 484

32. روضة العقلاء ص 214

33. الفهرست ص 421

34. المسالك والممالك ص 71

35. رسائل الجاحظ ج1، ص 170

36. كتاب الحيوان ذكر الفيل